الجزء الثاني: الشعر العربى بين المتاجرة والمؤامره

بقلم الدكتور / رمضان الحضري
العلم قوة : اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية ، وبعبارة
أخرى الجهل قوة تهدم الاقتصاد والسياسة والمجتمع والجيوش
ولابد من وجود الجهل لتظهر قوة العلم ، فالأمم جميعها بين
دائرتين ( دائرة العلم ) و ( دائرة الجهل ) وحسب القرب من
إحدى الدائرتين وسلطة إحداهما على المجتمع يمكننا أن نميز
سير المجتمع ، فالذين يحاربون الفساد لايحاربونه للقضاء عليه
بل يحاربونه ليسلبوا سلطته على المجتمع ، أما الفساد في حد
ذاته لن ينتهي من العالم حتى يرث الله الأرض وما عليها وكذا
من يحاربون الجهل والجريمة وغيرهما من مفسدات المجتمعات .
فحينما تجد دولة في طريقها للتقدم فهذا يعني أنها استخدمت
سلطة العلم والإصلاح وأوقفت سلطة الجهل والفساد ، والعكس
صحيح بنسبة متساوية ، فالتقدم يتناسب طرديا مع العلم
والإصلاح وعكسيا مع الجهل والفساد ، والتخلف يتناسب عكسيا
مع العلم والإصلاح وطرديا مع الجهل والفساد .
والذين ينظرون للإبداع والفنون والآداب على أنها مجموعات من
اللوحات التشكيلية أو الأفلام والمسلسلات أو مجموعة من
النصوص الأدبية لايدركون ماهية الفنون ، حيث إن الفنون تمثل
شخصية أمة بكاملها ونظاما اجتماعيا في الورق والواقع ،
ومنتجا فنيا يحيا في الواقع كحياة الناس الذين يرونه أو ينتجونه
يؤثر فيهم ويتأثر بهم وبالنصوص السابقة له ، وبتوضيح أكثر أن
الشاعر الذي يكتب نصا يكتبه وهو متأثر بجميع النصوص التي
قرأها قبله ( سلبا وإيجابا ) ، فالنصوص السابقة تؤثر في
المجتمع ، ومعنى ذلك أن لهذه النصوص حياة داخل المجتمع
وليست كما يظن البعض كلمات على أوراق أو أفلاما على شرائط
أو مسلسلات على الفيديوهات ، وهذا يعني أن النصوص التي لم
تؤثر في المجتمع هي نصوص ماتت ولم يعد لها وجود .
فالفنون والآداب ليست مرآة للمجتمعات وحسب كما نعلم أبناءنا
في المدارس والجامعات ، ولكنها شخصيات فنية لها حياة تؤثر
في حياتنا ، ولذا حينما تسأل سيدة عن زوجها وتقول لك ( هو
سي السيد ) فشخصية ( سي السيد ) الفنية لها وجود حقيقي في
المجتمع وتؤثر في رجاله ونسائه ، وحينما نستشهد ببيت حافظ
إبراهيم ( الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق )
فأنت لاتستشهد ببيت من الشعر ، بل تمتلك دليلا عقليا مؤثرا في
سامعك لتقنعه بما تقول ، فليس هذا بيتا شعريا ، بل شخصية فنية
تستخدم للتأثير على المتلقي لإقناعه بالصدق وليستسلم لرؤيتك .
وهذا ما جعل الفتيات المصريات سابقا يقلدن (قصة شعر شادية)
وملابس وحركات وكلمات فاتن حمامة ، وجعل الرجال يقلدون
ملابس عمر الشريف وفكاهات إسماعيل ياسين .
فحينما نقول أن الفنون والآداب تصلح المجتمع أو تفسده فليس
لأنها مرآة المجتمع ، بل لأنها أصبحت شخصيات مجتمعية داخل
المجتمع ، أو ليس كذلك ؟ أم في الأمر صعوبة !!
فما عاش شوقي وحافظ وطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ
وعبدالوهاب وفاتن حمامة وناجي وكثيرون غيرهم ؛ لأنهم
مازالوا يقدمون فنونا للمجتمع ، بل لأنهم تركوا خلفهم
شخصيات فنية مازالت تؤثر في هذا المجتمع .
فالقصيدة الشعرية المهمة أطول عمرا من مؤلفها وأحفاده ،
والرواية العبقرية أطول عمرا من كاتبها وأحفاده ، وكذا الفيلم
والمسلسل واللوحة التشكيلية والمسرحية وغيرها من الفنون .
وحينما أرسل الله رسله وأنبياءه جميعا أمدهم بأهم المقومات التي
تجعل لهم السلطة في الدنيا وهو العلم ، فعلم آدم مالم تعلمه
الملائكة ، وعلم موسى ويوسف وسليمان وعيسى بنص القرآن
( وعلمك ما لم تكن تعلم ) وهذه لمحمد بن عبدالله النبي الأعظم
فنشأت الأديان والمعتقدات على العلم لا على الجهل ، وجاءت
لتسلب السلطة من الفساد ، لتصبح السلطة للعلماء والمصلحين
وأنا أفهم أن الرسول قد اختار صداقة أبي بكر لكثرة علمه وذكائه
وموهبته في الإصلاح ، ولم يكن الاختيار لنسب أو حسب أو ملك
أو جاه ، بل كان أبوبكر مثقفا متعلما كاتبا قارئا خبيرا بالأنساب
راوية للشعر العربي ، يجيد التجارة والحساب وإدارة الأعمال
، والذي يتمعن في تاريخنا العربي والإسلامي سيعرف أن أبابكر
هو من كتب رسالة النبي إلى المقوقس عظيم القبط في مصر عام
6 من الهجرة على وجه التقريب بين جميع التواريخ ، وقد حُفظت
هذه الرسالة في دير أخميم حتى سرقها مستشرق فرنسي في
عصر الاحتلال العثماني وباعها إلى السلطان عبدالمجيد مقابل
300 جنيه استرليني ولا زالت الرسالة في متاحف تركيا ،
وكان حامل الرسالة إلى المُقوقس هو حاطب بن أبي بلتعة،
وقد اختاره الرسول لسرعة بديهته ، فلما دخل على المقوقس
سأله المقوقس : إذا كان صاحبكم رسولا من عند الله فلماذا لا
يدعو الله فينصره على الذين أخرجوه من بلده مكة ؟ فقال له
حاطب : ولماذا لم يدع عيسى عليه السلام على الذين أخرجوه ؟
فابتسم المقوقس وقرب رسول الرسول ، وقد ورد في الرسالة
: «بسم الله الرحمن الرحيم، مِن مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى
المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أمَّا بَعْد: فَإنِّي
أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِم تَسْلَم، وَأَسْلِم يُؤتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ،
فَإِن تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ
سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ
بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ﴾».
وقد جاء رد المُقوقس لطيفًا راقيا مجاملا يقول:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لِمُحَمَّد بِن عَبْدُ اللهِ، مِنَ المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ
القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْك، أمَّا بَعْد: فَقَد قَرَأتُ كَتَابَك، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ
فِيْهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَد عَلِمْتُ أنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ
يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَد أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ لَكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا
مَكَانٌ فِي القِبْطِ عَظِيْمٌ، وِبِكِسْوَةٍ وَهَدَيْتُ إَلَيْكَ بَغْلَةً لِتِرْكَبَهَا، وَالسَّلَامُ
عَلَيْك» .
فانتشر الإسلام بالعلم على المستويين النظري والعملي .
وحينما اجتمع كبار شعراء الوطن العربي في مصر عام 1927 م
كان اجتماعهم في دار الأوبرا المصرية ليحتفلوا بتنصيب أحمد
شوقي أميرا للشعراء العرب وكانت الأسباب كالتالي :
1 _ أحمد شوقي صاحب ريادة في النهضة الأدبية والسياسية
والعلمية والفنية .
2 _ لم يترك شوقي غرضا شعريا إلا وكتب فيه بإجادة تامة
فكتب في المديح والرثاء ( كتب في رثاء دستوفسكي وهوجو )
والهجاء والغزل والوطني والسياسي والديني .
3 _ أول من كتب المسرح الشعري في تاريخ الشعر العربي
وليست مسرحية واحدة ( مصرع كليوباترا ، مجنون ليلى ، علي
بك الكبير ، أميرة الاندلس ، عنترة ، الست هدى ، البخيلة ،
شريعة الغاب ) .
4 _ كتب شوقي ثلاث روايات .
5 _ ألف معجما لغويا لم يكتمل .
6 _ كان بيته بمثابة مدرسة أدبية لمحبي الشعر وكبار الشعراء
7 _ كان يرعى المواهب الجادة مثل الموسيقار محمد عبدالوهاب
8 _ كان يشجع الفنون التي ترفع من قيمة المجتمع مثل تشجيعه
للسيدة أم كلثوم .
9 _ كان يمتلك فهما لربط الفنون ببعضها على مستوى النوع
كربط الغناء بالشعر العربي وعلى المستويين الإقليمي والعالمي .
10 _ كان شوقي علامة في الشعر العالمي بشهادة النقاد
الغربيين قبل النقاد العرب .
١١ _ كان شوقي أميرا فعلياً يعطي للشعر تجديدا
وينفق على الشعراء العرب في ضيافته فلم يحصل على جائزة لأنه أمير الشعراء ؛فلو دخل ليحصل على جائزة سيصبح متسولا وليس أميرا؛ فإمارة الشعر لابد أن تكون بمثابة وزارة وليست مكافأة مالية على النظام الصهيوني في كسب المسابقات ؛ بل الأمير حينما يعلن اسمه هو الذي يعطي لايأخذ ؛ هذه هي الإمارة في عرف العرب . ولو قرأ الناس كتاب أخبار العرب لعرفوا مواصفات الأمير العربي وكيف كان العرب يختارون أميرهم؟ .
***************
وحينما تقوم وزارة الثقافة بدولة الإمارات العربية الشقيقة بعمل
مسابقة في الشعر العربي فهذا خير للشعر والشعراء ؛ لكن حينما
لايجدون عنوانا جديدا للمسابقة فهذا قمة الفشل للجنة المنظمة ،
واستهانة بقدر الشعراء المتقدمين للمسابقة ، وإهانة للجنة
التحكيم التي تفصل في هذه المسابقة ، حيث لايوجد متسابق قرأ
فقط أعمال أمير الشعراء الأول جده / أحمد شوقي باشا ، فذهب
الشاعر ليحصل على إمارة هو لايعرف حدودها ، ومن يعطيها
لايعرف قدرها ، واللجنة المحكمة أقرب للجان الأوربية منها
للجان العربية ، والسؤال هو : من من الشعراء الفائزين كتب
في كل أغراض الشعر العربي وكتب مسرحا ورواية وفتح بيته
للشعراء وعلم الموسيقيين وأثر في الحياة العلمية والسياسية
لدولته ؟ .
من من الشعراء الذين حصلوا على الجائزة الشعرية في دولة
الإمارات العربية الشقيقة يؤثر بشعره في الناس كما أثر
شعر شوقي في الناس ؟
من من الشعراء الفائزين يحفظ الناس له خمسة أبيات متتالية ؟
من من الشعراء الفائزين مقتنع أنه شاعر في قامة شوقي إلا
إذا كان مجنونا جنونا كاملا ؟
يقول أمير الشعراء الحقيقي أحمد شوقي في مطلع قصيدته
صريعُ جفنَيك ينفي عنهما التُّهَما
فما رمَيت ولكنَّ القضاءَ رمى
اللهَ في رُوحِ صَبٍّ يَغشيان بها
مَواردَ الحتفِ لم ينقل لها قدما
وكُفَّ عن قلبِه المعمودِ نبْلَهما
أليس عهدُك فيه حبَّةً ودما
سلو غزالًا غزا قلبي بحاجبه
أما كفى السيفُ حتى جرَّد القلما
واستخبِروه إلى كم نارُ جَفوتِهِ
أما كفى ما جنَت نارُ الخدودِ أمَا
واستوهِبوه يدًا في العمر واحدةً
ومهِّدوا عُذرَه عني إذا حرما
ولا ترَوا منه ظلمًا أن يُضيِّعني
من ضيَّع العرَضَ المملوكَ ما ظلما
************
هذا نموذج لشعر شوقي ، هاتوا كل النماذج المقدمة في مسابقة
الشعر بدولة الإمارات الشقيقة وقارنوها بالبيت الأول فقط ،
وكيف يبدأ الشاعر عزفه في بناء منظومته التي ستبقى في
القلوب قبل اليوتيوب .
بعدت عن ذكر الأسماء جميعها لأنهم جميعا لم يقرأوا شوقي
ولوأن واحدا من المحكمين قرأ شوقي وفهمه لهانت كل
الدارهم في عينه ، ولو أن متسابقا قرأ شوقي وفهمه لعلت
همته وترك التائهين في غيهم .
افعلوا ماشئتم سيظل شوقي أمير الشعراء العرب والأجانب .
هذه تقدمة جديدة ولها تفاصيل أخرى في اللقاء القادم بأمر
الله تعالى .

Related posts